محمد جمال الدين القاسمي
339
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الوعد ، بالتصديق والإيمان ، أي : ليس ذلك عن عزم صحيح ، وخلوص اعتقاد ، بل هو بسبب آخر ، وهو أنه ظهر لهم ما كانوا يكتمون في أنفسهم من الكفر والشرك ، بقولهم : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ، وعرفوا أنهم هالكون بشركهم ، فتمنوا لذلك . أو بشهادة جوارحهم عليهم ، أو ما كانوا يكتمون في أنفسهم في الدنيا من صدق ما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه ، كقوله تعالى مخبرا عن موسى أنه قال لفرعون : قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ [ الإسراء : 102 ] . الآية - وقوله تعالى مخبرا عن فرعون وقومه : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [ النمل : 14 ] . أو هذه الآية إخبار عن حال المنافقين ، وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه . ولا ينافي هذا كون السورة مكية ، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ، ومن حولها من الأعراب بعد الهجرة . لأن اللّه تعالى ذكر وقوع النفاق في سورة مكية وهي ( العنكبوت ) فقال : وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ [ العنكبوت : 11 ] . هذا ما ذكروه مما يمكن تنزيل اللفظ الكريم عليه لعمومه . وقد ناقش في ذلك كلّه العلامة أبو السعود ، واعتمد أن المراد ب ( ما كانوا يخفونه في الدّنيا ) النار التي وقفوا عليها ، إذ هي التي سيق الكلام لتهويل أمرها ، والتعجيب من فظاعة حال الموقوفين عليها ، و ( بإخفائها ) تكذيبهم بها ، فإن التكذيب بالشيء كفر به ، وإخفاء له لا محالة . وإيثاره على صريح التكذيب الوارد في قوله عز وجل : هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ [ الرحمن : 43 ] . وقوله تعالى : هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [ الطور : 14 ] . مع كونه أنسب بما قبله من قولهم : وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا [ الأنعام : 27 ] . لمراعاة ما في مقابلته من البدو . هذا هو الذي تستدعيه جزالة النظم الكريم . ثم قال في الوجوه المتقدمة : إنه بعد الإغضاء عما في كل منها من الاعتساف والاختلال ، لا سبيل إلى شيء من ذلك أصلا . لما عرفت من أن سوق النظم الشريف لتهويل أمر النار ، وتفظيع حال أهلها ، وقد ذكر وقوفهم عليها ، وأشير إلى أنه اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحيرة والدهشة ما لا يحيط به الوصف . ورتب عليه تمنيهم المذكور ب ( الفاء ) القاضية بسببية ما قبلها لما بعدها ، فإسقاط النار بعد ذلك من تلك السببية ، وهي نفسها أدهى الدواهي ، وأزجر الزواجر ، وإسنادها إلى شيء من الأمور المذكورة التي دونها في الهول والزجر ، مع عدم جريان ذكرها ، ثمّة - أمر يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله . وأما قيل من أن المراد جزاء ما كانوا يخفون ، فمن قبيل دخول البيوت من ظهورها ، وأبوابها مفتوحة . فتأمل .